علي بن محمد البغدادي الماوردي
146
أدب الدنيا والدين
وجهه فقال رضي اللّه عنه : الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزوّد منها . وحكى مقاتل : أن إبراهيم « 1 » الخليل على نبينا وعلية الصلاة والسلام قال : يا رب حتى متى أتردّد في طلب الدنيا فقيل له : امسك عن هذا فليس طلب المعاش من طلب الدنيا . وقال سفيان الثوري رحمة اللّه عليه : مكتوب في التوراة إذا كان في البيت بر فتعبد وإذا لم يكن فاطلب يا بن آدم حرّك يدك يسبب لك رزقك . وقال بعض الحكماء : ليس من الرغبة في الدنيا اكتساب ما يصون العرض فيها . وقال بعض الأدباء : ليس من الحرص اجتلاب ما يقوت البدن . وقال محمود الوراق : لا تبع الدنيا وأيامها * ذما وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها * أنّ بها تستدرك الآخرة فإذا قد لزم بما بيناه النظر في أمور الدنيا فواجب سبر أحوالها والكشف عن جهة انتظامها واختلالها لنعلم أسباب صلاحها وفسادها ومواد عمرانها وخرابها لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة وتنجلي لهم أسباب الخيرة فيقصدوا الأمور من أبوابها ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها . واعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين : أوّلهما ما ينتظم به أمور جملتها . والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلّا بصاحبه لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها ويقدح فيه اختلالها لأنه منها يستمدّ ولها يستعدّ ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها لم يجد لصلاحها لذة ولاستقامتها أثرا لأن الإنسان دنيا نفسه فليس يرى الصلاح إلّا إذا صلحت له ولا يجد الفساد إلّا إذا فسدت عليه لأن نفسه أخص وحاله أمس
--> ( 1 ) إبراهيم عليه السلام : كان في البئر ، وهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام وبلغ عمره 175 سنة ، ودفن في الأرض المقدسة ، وقبره معروف بقرية « حبرون » وهي التي تسمى ببلدة الخليل ، وهو أول من ضيف الضيف ، وأطعم المساكين عليه السلام .